ابن يعقوب المغربي
629
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
منها تعسفا وتكلفا لخفائها وبعد الأخذ منها كما يشهد صادق الذوق بذلك في شاهد الإخلال المشار إليه بقوله : ( كقوله ) أي : الشاعر : ( والعيش خير في ظلال النوك ) " 1 " أي : الحمق والجهالة وعبر بالعيش في الظلال عن العيش تحت ذلك الحمق والاطمئنان في العيش إلى مقتضاه ( من ) عيش ( من عاش كدا ) أي : مكدودا متعوبا فهو مصدر في معنى المفعول ، فقوله : العيش على حذف الوصف ( أي ) العيش ( الناعم و ) قوله : عاش يتعلق به مجرور محذوف أي : خير ممن عاش ( في ظلال العقل ) أي : تحت العقل وتأملاته ، فأصل الكلام على هذا العيش الناعم في ظلال الحمق خير من العيش الضيق المتعوب صاحبه في ظلال العقل ، ولا يفهم هذا المراد حتى يتأمل في ظاهر الكلام ، وأنه لا يصح لاقتضائه أن العيش ولو بالنكد مع الحمق خير من العيش بالنكد في ظلال العقل ، وهو غير صحيح لاستوائهما في النكد وزيادة الثاني بالعقل الذي من شأنه التوسعة وإطفاء بعض نكدات العيش ، فيصحح الكلام بالتقدير المذكور فجاء إخلالا لكونه غير واف لعدم تبادر المراد منه ، وقيل إن الكلام على ظاهره وأن المراد تفضيل عيش الحمق مطلقا على عيش العقل مطلقا وزيادة قوله كدّا ، كالتأكيد بناء على أن عيش الحمق ليس إلا ناعما وعيش العقل ليس إلا نكدا ؛ لأن الأول يتنعم بما وجد لا يضيق على نفسه لشيء والثاني يتأمل في العواقب والآفات وخوف الفناء والممات فلا يجد للعيش لذة ولو كان بحسب الظاهر ناعما ، فكنى بالعيش المكدود صاحبه عن العيش العقلي ، وكنى عن العيش الناعم بالعيش الحمقى ورد بأن هذا التعب مع العقل مطلقا ولو تقرر في نفسه عند العقلاء وأقروا بصحته إنما يصدر من العقل النادر فلا يقصد في المحاورات ؛ لأن الكثير أن العيش الناعم يوجد مع العقل فالمقصود ما تقدم .
--> ( 1 ) البيت للحارث بن حلزة في ديوانه ص ( 47 ) ، وجمهرة اللغة ص ( 100 ) والأغانى ( 11 / 44 ) ، وبهجة المجالس ( 1 / 187 ) ، والشعر والشعراء ص ( 204 ) ، وشعراء النصرانية ( 417 ) ، وكتاب الصناعتين ص ( 36 ، 188 ) .